الآلوسي

66

تفسير الآلوسي

والسلام حين يقول له الرب عز وجل ما يقول ترتعد مفاصله وينفجر من أصل كل شعرة من جسده عين من دم خيفة من ربه جلت عظمته ، وفي بعضها أنه عليه الصلاة والسلام يرتعد خوفاً ولا يفتح له باب الجواب خمسمائة عام ثم يلهمه الله تعالى الجواب بعد فيقول : * ( سُبْحَانَكَ ) * أي تنزيهاً لك من أن أقول ذلك أو يقال في حقك كما قدره ابن عطية ، وقدره بعضهم من أن يكون لك شريك فضلاً من أن يتخذ إلهان دونك ، وآخرون من أن تبعث رسولاً يدعى ألوهية غيرك ويدعو إليها ويكفر بنعمتك ، والأول أوفق بسياق النظم الكريم . وسبحان على سائر التقادير - على أحد الأقوال فيه وقد تقدمت - علم للتسبيح وانتصابه على المصدرية ولا يكاد يذكر ناصبه . وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاق من السبح وهو الإبعاد في الأرض والذهاب ، ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل والعدول عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن وإقامته مقام المصدر مع الفعل ما لا يخفى . وقوله سبحانه : * ( مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لي بحَقّ ) * استئناف مقرر للتنزيه ومبين للمنزه عنه . وما الثانية سواء كانت موصولة أو نكرة موصوفة مفعول * ( أقول ) * والمراد بها على التقديرين القول المذكور أو ما يعمه وغيره ويدخل فيه القول المذكور دخولاً أولياً ، ونصب القول للمفردات نحو الجملة والكلام والشعر مما لا شك في صحته كنصبه الجمل الصريحة فلا حاجة إلى تفسير أقول بأذكر كما يتوهم . واسم * ( ليس ) * ضمير عائد إلى ما و * ( بحق ) * خبره ، والجار والمجرور فيما بينهما للتبيين فيتعلق بمحذوف كما في سقيا لك . وإيثار ليس على الفعل المنفي على ما يحق لي لظهور دلالته على استمرار انتفاء الحقيقة وإفادة التأكيد بما في خبره من الباء المطرد زيادتها في خبر ليس . ومعنى * ( ما يكون لي ) * أي لا ينبغي ولا يليق وهو أبلغ من لم أقله فلذا أوثر عليه : والمراد لا ينبغي أن أقول قولاً لا يحق لي قوله أصلاً في وقت من الأوقات ، وجوز أبو البقاء أن يكون * ( لي ) * خبر ليس و * ( بحق ) * في موضع الحال من الضمير في الجار والعامل فيه ما فيه من معنى الاستقرار . وأن يكون متعلقاً بفعل محذوف على أنه مفعول له والباء للسببية أي ما ليس يثبت لي بسبب حق . وأن يكون خبر ليس و * ( لي ) * صفة حق قدم عليه فصار حالاً ، وهذا مخرج على رأي من أجاز تقديم حال المجرور عليه ، وقيل : إن * ( لي ) * متعلق بحق وهو الخبر . وهو أيضاً مبني على قول بعض النحاة المجوز تقديم صلة المجرور على الجار . والجمهور على عدم الجواز ولا فرق عندهم في المنع بين أن يكون الجار زائداً أو غيره . وقوله عز وجل : * ( إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلمْتَهُ ) * استدلال على براءته من صدور القول المذكور عنه فإن صدوره عنه مستلزم لعلمه به تعالى قطعاً والعلم به منتف فينتفي الصدور ضرورة أن انتفاء اللازم مستلزم لانتفاء الملزوم . واستشكلت هذه الجملة بأن المعنى على المضي هنا وأن تقلب الماضي مستقبلاً . وأجاب عن ذلك المبرد بأن كان قوية الدلالة على المضي حتى قيل إنها موضوعة له فقط دون الحدث وجعلوه وجهاً لكونها ناقصة فلا تقدر إن على تحويلها إلى الاستقبال . وأجاب ابن السراج بأن التقدير إن أقل كنت قلته الخ وكذا يقال فيما كان من أمثال ذلك ، وقد نقل ذلك عثمان بن يعيش وضعفه ابن هشام في " تذكرته " ، والجمهور على أن المعنى إن صح قولي ودعواي ذلك فقد تبين علمك به . * ( تَعْلَمُ مَا في نَفْسي ) * استئناف جار مجرى التعليل لما قبله فقوله جل شأنه : * ( وَلاَ أَعْلَمُ مَا في نَفْسكَ ) * بيان